عاجل
أنت هنا: الرئيسية / دقات الناقوس / سفـن الجـرف تغـرق فـي الرمـال المتحركـة
سفـن الجـرف تغـرق فـي الرمـال المتحركـة

سفـن الجـرف تغـرق فـي الرمـال المتحركـة


“مافيا” متخصصة في الاستغلال الجائر تحاصر شركات مهيكلة وتسطو على 80 % من رواج السوق
لطالما ارتبط ملف استغلال المقالع، خصوصا الرمال، بمصطلحات النهب والريع والفساد، بما تحمله من تهم غليظة للمستغلين، دون اعتبار لمعطيات تفرض نفسها على أرض الواقع، تؤكد أن قطاع استغلال الرمال وتسويقها بأنواعها المختلفة، مقسم إلى مهيكل وآخر غير مهيكل، يستحوذ على أزيد من 80 % من رواج هذا “البيزنس”، الذي أسال لعاب “لوبي” باحث عن الربح بالتملص من كل الضوابط القانونية، مستغلا فورة في الطلب على هذه المادة الحيوية، التي تشكل إلى جانب الإسمنت، عماد قطاع البناء والأشغال العمومية، إذ انتقل حجم حاجيات السوق من 10 ملايين متر مكعب سنويا قبل بداية الألفية، إلى 32 مليون متر مكعب.
الغوص في ملف استغلال مقالع الرمال، يقود إلى مجموعة من المفاجآت، تكشف عن استمرار تعثر القانون 13- 27، المتعلق بالمقالع، الذي لم يعرف مرسومه التطبيقي سبيله للتنفيذ على أرض الواقع، بعد سنوات من مناقشة وإعداد هذا الإطار التشريعي، الذي راهن عليه المهنيون، الناشطون ضمن حصة مهيكلة لا تتجاوز 20 % من القطاع، من أجل إحداث التغيير، والقطع مع الاستغلال الجائر لهذه المادة والإضرار بالبيئة، وحرمان الدولة من مداخيل ضريبية مهمة.
“ما زالت عمليات نهب الرمال في تزايد بشواطئ وسواحل المملكة، محمية من قبل عصابات متخصصة”، يؤكد مصدر مهني، منبها إلى أن “مافيا” مقالع الرمال لا تدخر جهدا في الضغط بكل الوسائل والسبل من أجل حماية مصالحها، إذ ظهرت تحركاتها أخيرا، بالتشويش على القطاع المهيكل وشركاته المنضبطة للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل في مجال استغلال الموارد الطبيعية، خصوصا بعد ظهور رمال الجرف الأكثر جودة ومتانة في السوق.

“مافيا” المقالع
لم يكن يتجاوز حجم الاستهلاك السنوي من الرمال سقف 12 مليون متر مكعب سنويا خلال فترة الثمانينات والتسعينات، قبل أن يتطور إلى 32 مليون متر مكعب، حسب جمعية مهنيي الرمال، موضحة أنه مع بداية الألفية الجديدة، تزايد الطلب على هذه المادة الحيوية بعلاقة مع فورة في سوق البناء والأشغال العمومية، إذ انطلقت مشاريع البنيات التحتية وإنشاء الطرق وتهيئة المطارات والموانئ، وكذا ثورة في مشاريع السكن الاجتماعي، الأمر الذي فرض ضرورة البحث عن موارد جديدة، بعيدا عن رمال الكثبان والشواطئ، يتعلق الأمر بمصدر آخر من الرمال أكثر مردودية وجودة، من خلال الشروع في الاعتماد على رمال التفتيت والجرف.
والمقصود برمال الجرف هنا، تلك الرمال التي يجري تجميعها عن عمليات جرف الموانئ، التي تديرها شركة “درابور”، المتخصصة، في جميع موانئ المملكة سنويا، إذ فطنت الدولة أمام تزايد الحاجة إلى موارد جديدة من المادة المذكورة، إلى تنويع العرض في السوق من خلال استغلال “رمال الجرف”، التي يعتبرها الخبراء أكثر جودة ومتانة من الرمال المستخرجة من الكثبان والشواطئ، وعليه وجدت “مافيا” الاستغلال الجائر في المنتوج الجديد منافسا خطيرا، شرعت في محاربة مسوقيه بالضغط عبر المجتمع المدني والقنوات التشريعية، تارة بفزاعة الضرر البيئي، وتارة أخرى بعصا الاحتكار والمحاباة.
تزايد نفوذ “مافيا” تهريب الرمال، ولم تفلح مقاربات التضريب وتشديد المراقبة الأمنية على المقالع العشوائية، التي تبنتها وزارة التجهيز والنقل منذ سنوات، في محاصرة أنشطتها، التي تخل بالتوازنات البيئية في مجموعة من المناطق، وتزود سوق مواد البناء بمنتوج لا يتوفر على مواصفات الجودة اللازمة.

إستراتيجية دولة
تواصل وزارة التجهيز والنقل إستراتيجيتها الرامية إلى تثمين قطاع جرف الموانئ واستغلال رمال الجرف، من خلال الحفاظ على توجه شركة “درابور” التجاري وضمان تزويد السوق بمنتوج رمال يحترم معايير الجودة والسلامة، كما ينص عقد الشراكة بين الشركة التي تمت خوصصتها في 2008 والدولة، إذ يتيح لهذا الفاعل الرائد في مجال تخصصه وطنيا وإقليميا ودوليا، إمكانية الاستفادة من ترخيص بالاحتلال المؤقت للملك العمومي لمدة 10 سنوات، علما أنه قدم تقارير حول حصيلة عمله للمصالح المختصة اخيرا، بما في ذلك دراسات تقييم للأثر البيئي والمنجزات المحققة عند الاستغلال بمختلف المناطق التي ينشط فيها.
ويتحدث مصدر مطلع، عن انخراط “درابور”، فرع مجموعة “ساطرام”، في إستراتيجية دولة، ارتأت عند خوصصتها للشركة، الحفاظ على توجهاتها المهنية المستقبلية، المتمثلة في تطوير مهنتها الأساسية جرف الموانئ، والاستثمار في نشاط آخر، مرتبط باستغلال وتسويق رمال الجرف، عبر شركة فرعية تحمل اسم “رمال”، يتعلق الأمر بنشاط مستمر لا يتقيد بفترة محددة أو ترخيص، ضمن “برنامج لإنتاج رمال الجرف”، كما ورد في المادة الرابعة من نص اتفاق الشراكة الموقع بين إدارة “درابور” ووزارة التجهيز والنقل.

“لؤلؤة” الجرف
لا يدرك الكثيرون أن المغرب يتوفر على الاكتفاء الذاتي في نشاط جرف الموانئ، من خلال شركة “درابور”، التي أسستها الدولة في 1984، واستطاعت على مدى سنوات ترسيخ مكانتها محليا وإقليميا ودوليا، لتصبح رائدة في القارة السمراء وجنوب أوربا في ما يخص أنشطة الجرف، التي تتطلب استثمارات ضخمة، إذ يتراوح سعر باخرة الجرف مثلا، بين 32 مليون أورو و45 مليونا، يؤكد مصدر مهني.وتحولت الشركة بعد خوصصتها إلى “لؤلؤة” وطنية، تدبر عمليات جرف 34 ميناء بالمملكة على مدار السنة، وتعزز جاذبية استثمارات هذه الموانئ، باعتبار أن جرف الرمال في مناطق الرسو، يعزز فرص استقبال ناقلات بحرية أكبر، وهو المعيار الذي يعتبر أساسيا في تصنيف الموانئ إلى جانب حجم الرواج والمبادلات والطاقة الاستيعابية وقدرات التخزين.
وتساهم “درابور” التي تدير مشاريع في إفريقيا وأوربا وأمريكا اللاتينية، وتنافس كبريات الشركات العالمية في مجال جرف الموانئ، في محاربة ظاهرة الترمل التي تعانيها موانئ المملكة، إذ أكد عبد القادر اعمارة، وزير التجهيز والنقل واللوجستيك والماء، خلال مروره بالبرلمان أخيرا، تراكم مليوني متر مكعب من الرمال، و400 ألف متر مكعب من الأوحال سنويا، ما استدعى التدخل للقيام بما مجموعه 22 عملية جرف لفائدة 16 ميناء، بكلفة مالية وصلت إلى 145 مليون درهم.
استثمارات ضخمة
يعاني قطاع استغلال الرمال، إلى جانب سطوة الأنشطة غير المهيكلة، مشاكل في التضريب، خصوصا ما يتعلق بالرسم الخصوصي على الرمال، الذي لم يحقق النتائج المرجوة منه منذ إطلاقه، بل عكس ذلك، يؤكد مصدر مهني، وسع قاعدة عدم المصرحين بالنظر إلى قيمتها المرتفعة، ما شجع على التهرب الضريبي، وبالتالي فإن الحصة الكبرى من عائدات هذا الرسم، حصلت من أنشطة الشركات المهيكلة، وعلى رأسها “درابور”، التي أدت أزيد من 85 % من مجموع الضرائب المحصلة، مع العلم أن حصتها في السوق لا تتجاوز 5 %.
وأشارت معطيات خاصة، إلى أن شركة جرف الموانئ أدت أزيد من 523 مليون درهم من الواجبات الضريبية، خلال الفترة بين 2007 ونهاية السنة الماضية، ضمن عقد الاستثمار الذي يربطها بالدولة، في شخص وزارة التجهيز والنقل، الذي حققت خلاله نتائج مهمة، ذات تأثير واسع على المنظومة الاقتصادية الوطنية، من خلال استثمار ما يفوق 547 مليون درهم، وبلوغ 500 منصب شغل مباشر.
وتضمنت الحصيلة أيضا، منجزات على مستوى حماية البيئة والحفاظ على توازناتها، إذ تتوفر شركة “رمال” للإنتاج والتسويق، على شهادة “إيزو 14001-2004” للتدبير البيئي، من المعهد المغربي للتقييس “إيمانور”، كما تنجز الشركة بشكل دوري دراسات لتقييم الأثر البيئي لجميع أنشطتها، يشرف عليها خبراء دوليون وباحثون جامعيون مرموقون.

بدر الدين عتيقي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى