عاجل
أنت هنا: الرئيسية / دقات الناقوس / نهب الرمال … تواطؤ بالملايير
نهب الرمال … تواطؤ بالملايير

نهب الرمال … تواطؤ بالملايير

   

شبكات تتحدى القانون وتشوش على القطاع المهيكل وتدمر البيئة

يُقدر مهنيون حجم الخسائر المالية التي تُكبدها شبكات تهريب الرمال والاستغلال غير القانوني لرخص المقالع لخزينة الدولة ب 5 ملايير درهم، تتجه إلى التهريب أو تستغلها في تبييض الأموال. ولا يخفي المهنيون أن حوالي 55 في المائة من مقالع الرمال بالمغرب غير مصرح بها، إذ تستخرج الرمال بصفة عشوائية من شواطئ وكثبان رملية ساحلية، ناهيك عن نشاط شبكات تهريب الرمال التي امتد نفوذها إلى مناطق جديدة، خاصة بالشريط الساحلي من آسفي والصويرية والوليدية إلى الجديدة، ومناطق متفرقة في العرائش، دون أن تتمكن الجهات الوصية من إيقاف أنشطتها.

إنجاز: خالد العطاوي

عجز وزراء حكومتي عبد الإله بنكيران وسعد الدين العثماني عن الحد من نشاط شبكات نهب وسرقة الرمال، في ظل غياب مراقبة دائمة للمقالع غير القانونية، وارتفاع الطلب نتيجة الطفرة التي عرفها قطاع البناء والمشاريع العمومية الكبرى، والإحصائيات شبه الرسمية تقدر حجم خسائر ميزانية الدولة بخمسة ملايير درهم باعتراف عزيز رباح، وزير التجهيز والنقل السابق، ونزار بركة رئيس المجلس الاجتماعي والاقتصادي والبيئي، ف”الحكومة لا تتحكم سوى في 2012 مقلعا، نصفها نشيط، وتدر على أصحابها الملايير سنويا، ولا تستفيد الدولة إلا من 20 مليار سنتيم في شكل ضرائب ورسوم”… فهل عجزت الحكومة عن التدخل في قطاع تُسير أغلب أنشطته بأجهزة التحكم عن بعد؟ ولم فشل المسؤولون في وضع نهاية لمافيا السرقة التي تشتغل في واضحة النهار؟

كل الوثائق، التي حصلت عليها “الصباح”، تشير إلى أن حاجيات السوق الوطنية من الرمال وصلت في 2018 إلى حوالي 32 مليون متر مكعب، علما أنها لم تتجاوز 20 مليون متر مكعب سنويا في 2010، إلا أن القطاع، ورغم أهميته، لا يشجع على الاستثمار فيه، فالتشريع القانوني ساهم بدوره في انتعاش الاستغلال غير القانوني للمقالع، رغم أن الحكومة تجاوزت ظهير 1914 الخاص بالمقالع الذي شكل عقبة لإصلاح القطاع، ولجأت إلى إصدار قانون 13_27 لتنظيمه، إلا أن عمليات تهريب الرمال وسرقتها لم تتوقف، بشهادة دراسة للمجلس الاجتماعي والاقتصادي والبيئي، فقد انتشرت ظاهرة المقالع غير المهيكلة والسرية.

عجز الوزير

يتأسف مهنيون، في لقاء مع “الصباح”، على عجز الوزير عزيز رباح، في عهد حكومة بنكيران، عن الوفاء بوعوده بالكشف عن لائحة المستفيدين من رخص المقالع الذين غالبا ما يتجاوزون الحصص المسموح بها، ناهيك عن وأد مشروع دفتر التحملات، علما أن لجنة البنيات الأساسية والطاقة والمعادن والماء بمجلس النواب دقت ناقوس خطر نهب الرمال، ونبهت للاستغلال غير القانوني والعشوائي للرمال، إلا أن نفوذ أصحاب الرخص حال دون إجبارهم على الامتثال للقانون… فمن يتستر على مافيا نهب وسرقة الرمال؟

مستودعات سرية وشاحنات ضخمة لا تخضع للقانون بل إلى سياسة “غمض عينيك”… عمل يومي لشبكات سرقة ونهب الرمال التي استأسدت في المغرب، ولا تجد من يردعها أو يوقف أنشطتها، رغم أنها تتسبب في خسائر مالية تقدر بالملايير.

في جل المدن، خاصة بالضواحي، تنتشر مخازن بيع الرمال، أغلبها، كما عاينت “الصباح” لا يكترث أصحابها، كثيرا، بالقانون، إذ تستقبل شاحنات تهريب الرمال التي تفرغ حمولتها في انتظار الزبائن، ولا يهم أنها مغشوشة أو تؤدي إلى انهيار المنازل، فالأهم بيع رمال بثمن منخفض مقارنة مع الرمال “القانونية” وجني مبالغ مالية ضخمة.

اعتاد عاملون مع “شبكات” سرقة الرمال الجلوس في مقهى بضواحي البيضاء، يروون تفاصيل يومياتهم، ويحكون عن مغامراتهم للإفلات من المراقبة الأمنية، وحين يتدخل غريب عنهم للقول إن سرقة الرمال، مثلها مثل باقي أنواع السرقة، يعاقب عليها القانون، يبدؤون في تبرير أفعالهم بأنهم مجرد عمال يستطيعون بالكاد الحصول على مبالغ مالية بسيطة، إذ يتقاضون ما بين 80 درهما و100 درهم لكل شاحنة ذات حمولة 20 مترا مكعبا، وما بين 40 درهما إلى 50 عن الشاحنات الصغيرة، وأن “رؤساءهم” يتحملون كامل المسؤولية.

حسب روايات العاملين، فإن ثمن حمولة شاحنة كبيرة من الرمال يصل إلى 8 آلاف درهم، في حين يبلغ الثمن في مناطق أخرى 7 آلاف درهم، وذلك حسب قانون العرض والطلب والجودة، فشبكات نهب الرمال اعتادت على الغش فيها بمزج الرمال بالتراب..

شبكات منظمة تبسط نفوذها في مسارات نهب الرمال، وتتحكم في النشاط التجاري في مدن كثيرة، فسواء في آسفي أو الصويرية أو الوليدية أو الجديدة ونواحي القنيطرة والعرائش ومارتيل… لا تتوقف هذه الشبكات عن استنزاف الشواطئ، وجني أرباح خيالية، وعادة ما تبدأ خطة زعمائها بكراء أراض، والحصول على تراخيص الاستغلال، دون احترام المساطر القانونية، والتلاعب في الكميات المستخرجة وعدم التصريح بها، ناهيك عن استخراج الرمال من مقالع غير مرخص لها، علما أن مستغلي مقالع الرمال لا يخضغون للمقتضيات القانونية، سيما تلك المنصوص عليها في دفتر التحملات موضوع المذكرة عدد 87 المؤرخة في 08 يونيو 1994، والتي تشير إلى عدم السماح للشخص الواحد باستغلال أكثر من مقلع على امتداد تراب المنطقة الواحدة، في حين يلجأ بعض أعضاء شبكات نهب الرمال إلى التحايل على القانون، وذلك بتقييد الامتياز في اسم الأبناء أو الأقارب.

لا أحد يستطيع وقف نهب الرمال، والمسؤولون عن المقالع المرخص لها يتحدون القانون، منهم سياسيون ومنتخبون، تجدهم،أحيانا يتقاذفون التهم تحت قبة البرلمان، في حين أن الشبكات المنظمة تستغل التواطؤ والصمت لسرقة الرمال ونهبها وإلحاق خسائر بشركات قانونية، “ذنبها” الوحيد أنها فضلت الالتزام بالقانون والاستثمار في القطاع.

القانون… حبر على ورق

سبق لمجلس الحكومة أن صادق على مشروع قانون يقضي بتجريم أفعال نهب وسرقة الرمال كما صادق مجلس النواب يوم الثلاثاء 7 يونيو 2011 ، على المشروع نفسه الذي يجرم أفعال سرقة ونهب رمال الكثبان الساحلية والرمال الشاطئية، ويتضمن العقوبات السالبة للحرية التي يصل حدها الأقصى إلى خمس سنوات، وكذا تشديد العقوبات المالية (500 درهم عن كل متر مكعب من الرمال المسروقة)، والتنصيص على إمكانية مصادرة المحكمة الآلات والأدوات والأشياء المُستعمَلة في ارتكاب الجرائم أو التي تستعمل في ارتكابها لفائدة الدولة.

واعتقد المتتبعون أن مشروع القانون سلاح في يد الحكومة لمواجهة تحدي شبكات نهب الرمال للقانون، إلا أنه سرعان ما تأكد أن دار لقمان مازالت على حالها، بل انتعشت هذه الشبكات وامتد نفوذها إلى مناطق جديدة، وكل من سعى إلى مواجهتها يقابل بتهديدات بالقتل، فبطشها ونفوذها أشد بأسا من القانون نفسه.

مهنيو الرمال يستغيثون

أوضح مسؤول بجمعية مهنيي الرمال، أن القطاع توجد به “مافيا” متخصصة في الاستغلال الجائر، وتحاصر الشركات المهيكلة، وتضيع على الدولة مبالغ مالية مهمة تقدر بخمسة ملايير درهم. فالقطاع غير المهيكل يروج حوالي 80 في المائة من الرمال في السوق المغربية.

واليوم، حسب المسؤول نفسه، وبعد خروج المرسوم التطبيقي للقانون رقم 27.13، أصبح المغرب يتوفر على ترسانة قانونية، ستمكنه من الضرب على يد هذه المافيا، التي تشوش على القطاع المهيكل وشركاته المنضبطة للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل في مجال استغلال الموارد الطبيعية، إذ ينتظر أن يحدث التغيير، والقطيعة مع الاستغلال الجائر لهذه المادة والإضرار بالبيئة، وحرمان الدولة من مداخيل ضريبية مهمة.

واعتمدت الدولة على إستراتيجية وطنية تتمثل في استعمال رمال التفتيت ورمال الجرف بديلا لإشكالية نهب وسرق الرمال، ومن أجل التوزان الطبيعي.

تيموري: ناهبو الرمال في تزايد

كشف عبدالهادي تيموري، خبير في تدبير استغلال المقالع ومسؤول سابق بوزارة التجهيز والنقل واللوجيستيك، أنه خلال العشرية الأخيرة لاحظت السلطات المعنية نهبا وضغطا كبيرين على رمال الشواطئ ورمال الكثبان الساحلية، وتبين أن أكثر من 50 في المائة من الرمال المستعملة في البناء والأشغال العمومية تستخرج بصفة عشوائية من الشواطئ والكثبان الرملية الساحلية، وذلك بسبب الطفرة التي عرفها قطاع البناء والأشغال العمومية، وأصبح من الضروري البحث عن موارد بديلة لهذا النوع من الرمال ويتعلق الأمر بمصدر آخر من الرمال أكثر مردودية وجودة، من خلال الشروع في الاعتماد على رمال التفتيت والجرف.

وذكر المتحدث نفسه أن بعض مستغلي مقالع الرمال يبحثون عن الربح، بالتملص من كل الضوابط القانونية و الجبائية، مستغلين وفرة الطلب على هذه المادة الحيوية، التي تشكل إلى جانب الإسمنت، عماد قطاع البناء والأشغال العمومية. كما أن مستغلي مقالع الرمال غير المهيكلة والعشوائية وناهبي الرمال في تزايد بشواطئ وسواحل المملكة، ولايدخرون جهدا في الضغط بكل الوسائل والسبل من أجل حماية مصالحهم، إذ ظهرت تحركاتهم أخيرا، بالتشويش على القطاع المهيكل لاستغلال رمال الجرف والتفتيت وشركاته المنضبطة للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل في المجال، خصوصا بعد ظهور رمال الجرف الأكثر جودة ومتانة في السوق.

وأوضح تيموري أنه لتلبية لحاجيات السوق الوطنية بمادة الرمال والحد من نهبها واستغلالها العشوائي، مع الحفاظ على البيئة، اعتبارا للتطور المستمر لقطاع البناء والأشغال العمومية، أوصت الإدارة الوصية على قطاع المقالع بإنجاز دراسة لتقييم الطلب والعرض من مادة الرمال، وتبين من خلالها أن حاجيات السوق الوطنية من هذه المادة قاربت حوالي 20 مليون متر مكعب سنويا أواخر 2010، وبلغت حاليا ما يناهز 30 مليون متر مكعب. وموازاة مع هذه الدراسة، تم إعداد خارطة طريق تضمنت عدة توصيات، منها وضع إستراتيجية لاستعمال الرمال البحرية ورمال التفتيت حلولا بديلة لرمال الكثبان الساحلية واقتراح إجراءات تحفيزية وجبائية للمستثمرين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى